محمد بن جرير الطبري

16

جامع البيان في تفسير القرآن ( ط الأولى 1323 ه‍ - المطبعة الكبرى الأميريه ، مصر )

قال : يقول : لم نظلمهم من عملهم من شيء فننقصهم ، فنعطيه ذرياتهم الذين ألحقناهم بهم ، الذين لم يبلغوا الأعمال ألحقتهم بالذين قد بلغوا الأعمال . وقال آخرون : بل معنى ذلك وَالَّذِينَ آمَنُوا وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ فأدخلناهم الجنة بعمل آبائهم ، وما ألتنا الآباء من عملهم من شيء . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن عبد الأعلى ، قال : ثنا المعتمر بن سليمان ، قال : سمعت داود يحدث عن عامر ، أنه قال في هذه الآية " والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء " فأدخل الله الذرية بعمل الآباء الجنة ، ولم ينقص الله الآباء من عملهم شيئا ، قال : فهو قوله : وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ . حدثنا ابن المثنى ، قال : ثنا ابن أبي عدي ، عن داود ، عن سعيد بن جبير أنه قال في قول الله : " ألحقنا بهم ذرياتهم وما ألتناهم من عملهم من شيء " قال : ألحق الله ذرياتهم بآبائهم ، ولم ينقص الآباء من أعمالهم ، فيرده على أبنائهم . وقال آخرون : إنما عنى بقوله : " ألحقنا بهم ذريتهم " : أعطيناهم من الثواب ما أعطينا الآباء . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار ، قال : ثنا عبد الرحمن ، قال : ثنا سفيان ، عن قيس بن مسلم ، قال : سمعت إبراهيم في قوله : " وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم " قال : أعطوا مثل أجور آبائهم ، ولم ينقص من أجورهم شيئا . حدثنا ابن حميد ، قال : ثنا مهران ، عن سفيان ، عن قيس بن مسلم ، عن إبراهيم " وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم " قال : أعطوا مثل أجورهم ، ولم ينقص من أجورهم . حدثنا ابن حميد قال : ثنا حكام ، عن أبي جعفر ، عن الربيع " وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان " يقول : أعطيناهم من الثواب ما أعطيناهم وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ يقول : ما نقصنا آباءهم شيئا . حدثنا بشر ، قال : ثنا يزيد ، قال : ثنا سعيد ، عن قتادة ، قوله : " والذين آمنوا وأتبعناهم ذرياتهم " كذلك قالها يزيد " ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم " قال : عملوا بطاعة الله فألحقهم الله بآبائهم . وأولى هذه الأقوال بالصواب وأشبهها بما دل عليه ظاهر التنزيل ، القول الذي ذكرنا عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس ، وهو : والذين آمنوا بالله ورسوله ، وأتبعناهم ذرياتهم الذين أدركوا الإيمان بإيمان ، وآمنوا بالله ورسوله ، ألحقنا بالذين آمنوا ذريتهم الذين أدركوا الإيمان فآمنوا ، في الجنة فجعلناهم معهم في درجاتهم ، وإن قصرت أعمالهم عن أعمالهم تكرمة منا لآبائهم ، وما ألتناهم من أجور عملهم شيئا . وإنما قلت : ذلك أولى التأويلات به ، لأن ذلك الأغلب من معانيه ، وإن كان للأقوال الآخر وجوه . واختلفت القراء في قراءة قوله : " وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم " فقرأ ذلك عامه قراء المدينة وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ على التوحيد بإيمان " ألحقنا بهم ذرياتهم " على الجمع ، وقرأته قراء الكوفة وَاتَّبَعَتْهُمْ ذُرِّيَّتُهُمْ بِإِيمانٍ أَلْحَقْنا بِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ كلتيهما بإفراد . وقرأ بعض قراء البصرة وهو أبو عمرو " وأتبعناهم ذرياتهم بإيمان ألحقنا بهم ذرياتهم " . والصواب من القول في ذلك أن جميع ذلك قراءات معروفات مستفيضات في قراءة الأمصار ، متقاربات المعاني ، فبأيتهما قرأ القارئ فمصيب . وقوله : وَما أَلَتْناهُمْ مِنْ عَمَلِهِمْ مِنْ شَيْءٍ يقول تعالى ذكره : وما ألتنا الآباء ، يعني بقوله : وَما أَلَتْناهُمْ وما نقصناهم من أجور أعمالهم شيئا ، فنأخذه منهم ، فنجعله لأبنائهم الذين ألحقناهم بهم ، ولكنا وفيناهم أجور أعمالهم ، وألحقنا أبناءهم بدرجاتهم ، تفضلا منا عليهم . والألت في كلام العرب : النقص والبخس ، وفيه لغة أخرى ، وما لتناهم ، ولم يقرأ بها أحد نعلمه ، ومن الألت قول الشاعر : أبلغ بني ثعل عني مغلغلة * جهد الرسالة لا ألتا ولا كذبا يعني : لا نقصان ولا زيادة . وبنحو الذي قلنا في ذلك قال أهل التأويل . ذكر من قال ذلك : حدثنا ابن بشار قال : ثنا مؤمل قال : ثنا سفيان ، عن عمرو بن مرة ، عن سعيد بن جبير ، عن ابن عباس